الصفحة الرئيسية  قضايا و حوادث

قضايا و حوادث جريمة حي النصر تعيد طرح السؤال: أيّ بشاعة شوّهت معالمنا؟ وهل تكفي الترسانة التشريعية لحماية الطفولة المهدّدة في تونس؟

نشر في  13 فيفري 2026  (08:20)

في متابعة للجريمة الشنيعة التي هزت الرأي العام في تونس وزعزعت بنيانه وتتمثّل في تعرّض طفل يبلغ من العمر 3 سنوات للاعتداء الجنسي داخل إحدى رياض الأطفال بمنطقة حي النصر من ولاية أريانة..

تفاصيل الفاجعة جاءت على لسان والدة الطفل الضحية التي روت في شهادة صادمة ما اكتشفته يوم الواقعة بتاريخ 30 جانفي المنقضي، حيث أنها وأثناء اصطحابها لابنها للمنزل لاحظت تغيّرًا مريبا في سلوكه حيث بدا لا متجاوبا معها ورافضًا الحديث على غير عادته، قبل أن تلاحظ لاحقًا معاناته من صعوبة في المشي وتبوّل لا إرادي على ملابسه وخلال قياما بمعاينته دخل في نوبة هستيرية مصرّحا لها بوقوعه ضحية اعتداء جنسي من قبل شخص يوجد داخل الروضة قائلا لها حرفيا "عمي عملي أًوا" وفق تعبيرها.

وأضافت الأم أنها توجهت مباشرة إلى مركز الأمن أين تم سماعها وإحالتها على الفحص الطبي الشرعي بمستشفى شارل نيكول بالعاصمة، حيث أكد الفحص الأولي وجود آثار اعتداء جنسي، وتم بناء عليه رفع عينات بيولوجية من الملابس الداخلية لابنها ثم إحالتها على المصالح المختصة لاستكمال الأبحاث الفنية اللازمة.

وقالت الأم أن الطبيبة التي فحصت ابنها أكدت لها ان ابنها نجا من الموت وانه تعرض لمحاولة اعتداء جنسي وفق ما تبيّن من المعاينة الطبية الأولية، مشددة على انّها تقدمت بشكاية رسمية لدى الجهات المعنية، بما في ذلك مراسلة إلى وزيرة الأسرة، وطالبت بتسريع الأبحاث وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوت التهم.

في ذات السياق أكد المندوب العام لحماية الطفولة منصف عبد الله أنه تمّ التعهد والإحاطة النفسية بالطفل المتضرر، مؤكدا أن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن اذنت بإعطاء أولوية قصوى للملف وأنه تم فتح بحث أمني وقضائي للكشف عن كل ملابسات الحادثة.

في هذا الإطار يجد المتابع نفسه أمام واقعة لا تختزل فقط مأساة عائلة ومجتمع بل تطرح جملة من التساؤلات الجوهرية حول الإطار القانوني المنظم لمثل هذه الجرائم ومدى نجاعة المنظومة الجزائية في حماية الطفولة من أخطر أشكال الانتهاك..

 ارتأى موقع الجمهورية تسليط النظر على هذه الجريمة من كل الزوايا القانونية فقها وتشريعا وقضاء تونسيا.

في البداية وقبل النظر في قضايا الاعتداءات الجنسية على الاطفال، لا بد لنا من الوقوف على تعريف الطفل الذي وفقا لما بيّنته اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، فإنه "كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه".

 أمّا المشرع التونسي فقد حسم مسألة تعريف الطفل مسايرا صراحة ما جاء في التعريف الوارد بالاتفاقية المذكورة التي صادقت عليها الدولة التونسية بتاريخ 29 نوفمبر 1999 حيث أورد صلب الفصل 3 من مجلة حماية الطفل بأنه: "كل إنسان عمره أقل من ثمانية عشر عاما ما لم يبلغ سن الرشد بمقتضى أحكام خاصة".

في انتظار ما ستكشفه التحقيقات...

وعودة إلى وقائع قضية الحال، وفي انتظار ما سيبينه الطب الشرعي والتحقيقات في تكييف لطبيعة الاعتداء الجنسي الذي تعرّض إليه الطفل، فإنه يعد مرتكبا لجريمة جنسية على طفل كل من يجبر طفلا على القيام بأفعال ذات بعد جنسي أو يرتكب فعلا ماديا ذو طبيعة جنسية مسلطا على جسد الطفل أو من يشجع على القيام بمثل هذه الأفعال او بالتوسط فيها أو يستفيد منها أو يستغلها عن طريق النشر والتوزيع أو بأي شكل من الأشكال سواء للحصول على منافع مادية أو بدونها...

وبناء عليه نتبيّن أنّ الجرائم الجنسية المباشرة المرتكبة ضد الأطفال هي تلك الجرائم المسلطة على جسد الطفل مباشرة فتمس من حرمته وسلامته الجسدية، وبالنظر لخطورة هذا النوع من الجرائم وضع المشرع جملة من النصوص القانونية للتصدي لها فنظم جرائم الاغتصاب او المواقعة بالفصول 227 و227 مكرر من المجلة الجزائية ونظم جريمة الاعتداء بالفاحشة بالفصول 228 و228 مكرر من ذات المجلة.

ما بين الاغتصاب والاعتداء بالفاحشة، ما مدى نجاعة النصوص القانونية الزاجرة؟

وفقا لمنطوق الفصل 227 جديد من القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 مؤرخ في 11 أوت 2017 والذي يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، فإنه "يعد اغتصابا كل فعل يؤدي إلى إيلاج جنسي مهما كانت طبيعته والوسيلة المستعملة ضد أنثى أو ذكر بدون رضاه. ويعاقب مرتكب جريمة الاغتصاب بالسجن مدة عشرين عاما. ويعتبر الرضا مفقودا إذا كان سن الضحية دون الـسادسة عشر عاما كاملة.

ويضيف ذات الفصل أنه يعاقب بالسجن بقية العمر مرتكب جريمة الاغتصاب الواقعة: باستعمال العنف أو السلاح أو التهديد به، أو باستعمال مواد أو أقراص أو أدوية مخدرة أو مخدرات. ضد طفل ذكرا كان أو أنثى سنه دون السادسة عشرة عاما كاملة...
وممن كانت له سلطة على الضحية أو استغل نفوذ وظيفة، من مجموعة أشخاص بصفة فاعلين أصليين أو مشاركين.

  أما بالنسبة لجريمة الاعتداء بفعل فاحشة على طفل فقد نص الفصل 228 مكرر من المجلة الجزائية بأنه يعاقب بالسجن لمدة 5 سنوات مرتكب كل اعتداء بفعل الفاحشة بدون قوة على طفل لم يبلغ من العمر ثمانية عشر عاما كاملة والمحاولة موجبة للعقاب.

 ويرتفع العقاب إلى اثني عشر عاما إذا حصل الاعتداء بالفاحشة على طفل بدون رضاه، وحدد المشرع ظروف التشديد بالفقرة الاخيرة من الفصل 228 م ج والتي بموجبها يرتفع العقاب إلى السجن المؤبد وهي في صور "إذا سبق أو صاحب الاعتداء بفعل الفاحشة في الصورة السابقة استعمال السلاح أو التهديد أو الاحتجاز أو نتج عنه جرح أو بتر عضو أو تشويه أو أي عمل آخر يجعل حياة المعتدى عليه في خطر".

 وهنا لا بد من القول بأنّ المشرع التونسي لم يعرّف المقصود بالاعتداء بالفاحشة على عكس تعريفه المقصود بجريمة الاغتصاب، الشيء الذي دفع فقه القضاء إلى الاجتهاد في تفكيك معاني هذه الجريمة حيث أقرت الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب في قرارها عدد 6417 المؤرخ في 16 جوان 1969 أن "الفعل الفاحش الذي جاء بعقابه الفصل 228 من القانون الجنائي هو كل فعل مناف للحياء يقع قصدا ومباشرة على جسم الذكر أو الأنثى أو على عورتهما".

 وبالتالي فإنّ الفعل الفاحش يتطلب ضرورة ملامسة الجاني لجسم المتضرر ونتيجة لذلك لا يمكن أن تتوفر الجريمة إلا إذا استطال فعل الجاني إلى جسم المجنى عليه ونال من عرضه وفق ما بيّنه فقه القضاء التونسي في قرار تعقيبي عدد 1229 مؤرخ في 26 سبتمبر 1960.

 العار الحقيقي ليس في فضح الجريمة، بل في التواطؤ بالصمت، وطمس آثار الفعل الشنيع، وترك المعتدي حرًّا دون مساءلة، والضحية دون إحاطة اجتماعية ودعم نفسي ناجع... فـدوما "احكي ما تخبيش"...

في ذات السياق تؤكد وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ أنه يمكن الإشعار الفوري حول  مختلف أشكال الاعتداءات المسلّطة على الأطفال إما مباشرة لدى المصالح  المركزيّة والجهويّة المعنيّة لمؤسسات الدولة أو عن طريق الأرقام الخضراء الموضوعة على ذمّة المواطنين/ات للإشعار والتبليغ عن حالات العنف على غرار الرقم الأخضر المجاني 1809 للإنصات والإحاطة النفسية للأطفال وللأسر والخط  192 للإشعار حول كلّ شكل من أشكال التهديد المسلّط على الأطفال أو الاتصال بالمكاتب الجهويّة لمندوبي حماية الطفولة.

ختامًا، إنّ القول بتكريس حقّ الطفل في الأمان المجتمعي وحمايته من كل أشكال العنف، ولا سيما الاعتداءات الجنسية، يظلّ مسؤولية جماعية شاملة تتطلّب تضافر جهود الدولة بمؤسساتها التشريعية والقضائية والتنفيذية، إلى جانب دور الأسرة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.

كما أن فعالية الترسانة القانونية لا تُقاس بصرامتها النظرية فحسب، بل بمدى حسن تطبيقها وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، بما يعزز ثقة الضحايا في العدالة ويكرّس مبدأ سيادة القانون.

  إن الجرائم الجنسية المسلطة على الأطفال تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان وللقيم الدستورية التي تضع حماية الطفولة في صدارة الأولويات، حتى لا نجد أنفسنا أمام ندوب نفسية واجتماعية نتوارث آلامها جيلاً بعد جيل. وكما قال نيلسون مانديلا: "لا يوجد إفشاء أصدق عن روح المجتمع من الطريقة التي يعامل بها أطفاله".

 منـــــارة تليـــجاني